الرئيسية / تحقيقات / 55% من إنتاج القمح غير مستقر .. الأزمة تهدد جهود ونتائج البحث العلمي

55% من إنتاج القمح غير مستقر .. الأزمة تهدد جهود ونتائج البحث العلمي

كتبت:هاجر فهمي

يغطي محصول القمح أكبر مساحة على سطح الكرة الأرضية من أي محصول غذائي آخر، والقمح عشب بريّ نما أولاً في بلاد ما بين النهرين في المشرق العربي منذ حوالي 7800 سنة قبل الميلاد، وقد وجدت أقدم آثار للقمح المزروع في العالم في منطقة تل أبو هريرة في محافظة الرقة في سورية.

تؤكد الدراسات العلمية أن القمح يعدّ أكثر الأغذية  أهمية لما يزيد على ثلث سكان العالم، نظراً لأنه يدخل في عمل معظم الوجبات بصورة أو بأخرى، إذ يؤكل القمح بدرجة رئيسة في الخبز والأطعمة الأخرى التي تحضّر من دقيق القمح، وحبوب القمح غنية بالمواد الغذائية التي تشمل البروتين والنشاء وفيتامين هـ، وفيتامينات ب، والنياسين والريبوفلافين والثيامين، كما إن الحبوب تحتوي أيضاً على معادن أساسية مثل الحديد والفوسفور.

يُصنع دقيق القمح الكامل من كل الحبة، ولهذا فإنه يحتوي على المواد الغذائية الموجودة في كل أجزائها، ولإنتاج دقيق أبيض يقوم أصحاب المطاحن بطحن الجزء الرخو الأبيض الداخلي من الحبوب فقط الذي يطلق عليه السويداء (الإندوسبيرم)، وهو الذي يحوي الجلوتين وجميع النشاء تقريباً الموجودة في الحبة.

والدقيق الأبيض يفتقر الفيتامينات والمعادن التي توجد في النخالة، أي الغلاف القوي الذي يكسو الحبة والجنين (مرحلة ما قبل التطور)، وفي عدد من الدول الأخرى يضيف الطحّانون والخبازون فيتامين (ب) والحديد إلى معظم الدقيق الأبيض لرفع قيمته الغذائية، ويسمى الدقيق المدعم (الباستا).
وعن أهمية القمح والظروف خلال هذا الموسم أكد المهندس عبد الرحمن قرنفلة- الخبير في الإنتاج الحيواني وجوب اتخاذ العديد من الإجراءات لكي يبقى هذا المحصول في المرتبة الأولى إنتاجاً وأهمية، وأشار إلى الظروف البيئية الداعمة لإنتاجية عالية من المحصول.

الظروف البيئية المناسبة لإنتاج القمح

– الظروف المناخية الجافة بعض الشيء، والمعتدلة، هي الأكثر ملاءمة لزراعة القمح، أما شدّة الحرارة أو البرودة، أو المناخ الرطب جداً أو الجاف جداً، فتعدّ غير ملائمة لزراعة كل من القمح الربيعي والشتوي، فالظروف الجوية، بما فيها درجات الحرارة والأمطار، لها تأثير كبير في تحديد موسم زراعة القمح، ومن أسباب انخفاض المحصول، الزراعة في وقت مبكر جداً أو متأخر جداً، كما تعرض الزراعة المتأخرة للقمح الشتوي المحصول للتلف نتيجة البرودة.

– يبذر المزارعون القمح الشتوي في وقت يسمح للنباتات الصغيرة بأن تصبح قوية، بدرجة تمكّنها من مقاومة برودة الشتاء، ويقوم المزارعون في نصف الكرة الشمالي بزراعة القمح الشتوي مبكراً في أول أيلول، كما يمكن تأخير الزراعة حتى أوائل تشرين في المناطق التي يتأخر فيها دخول فصل الشتاء.

– ينمو القمح بصورة جيدة في أنواع التربة التي يطلق عليها الطفالية الطينية والطفالية الغرينية، ويجب أن تحوي التربة نسبة عالية من المادة العضوية المتحللة كي توفّر الغذاء لنباتات القمح، فإذا كانت التربة فقيرة في بعض العناصر الغذائية، ففي هذه الحالة يمكن للمزارع إضافتها بصورة سماد.

– يزرع المزارعون القمح في الأرض نفسها في كل عام، ونتيجة ذلك، فإن التربة تفقد بعد عدة سنوات العناصر الغذائية اللازمة لإنتاج محصول جيد، إضافة إلى ذلك فإن الرياح والماء يجرفان ويزيلان معظم العناصر الغذائية من التربة، بينما يجب أن يقوم المزارعون بأخذ عيّنات من التربة لاختبارها لمعرفة مدى احتوائها على العناصر الغذائية الضرورية، وتبيّن مثل هذه الاختبارات درجة حموضة التربة، وإذا أصبحت التربة حمضية أكثر من اللازم فإن القمح لا ينمو جيداً، بل قد يصل الأمر إلى عدم الإنبات، وحينئذ يستطيع المزارعون إضافة السماد والجير إلى التربة لتعويض العناصر الغذائية وخفض درجة الحموضة.

– وبعض المزارعين لا يزرعون القمح في الأرض نفسها كل عام، إنما يزرعونه في دورة مع محاصيل مثل البرسيم، والبيقية وغيرها من البقوليات الحبية، وهذا الأسلوب يعيد العناصر الغذائية إلى التربة، ويعين على مقاومة الأمراض والآفات، ويلجأ المزارعون في المناطق القليلة الأمطار إلى زراعة الحقل مرة كل سنتين، وفي السنوات التي لا يزرع فيها القمح، تترك الأرض بوراً حتى تتمكن من تخزين الرطوبة.

الإنتاج العالمي من القمح

قال المهندس عبد الرحمن قرنفلة: إن البيانات الإحصائية تثبت أنه في عام 2012 بلغ إنتاج العالم من حبوب القمح حوالي 671 مليون طن، واحتلت سورية المرتبة /28/ من أصل /124/ دولة في العالم من حيث كمية الإنتاج، وذلك بإنتاج قدره 3,6 ملايين طن، بينما شغلت الصين المرتبة الأولى بإنتاج قدره 121 مليون طن تلتها الهند بإنتاج 95 مليون طن ثم الولايات المتحدة الأمريكية 62 مليون طن وفرنسا بإنتاج 40 مليون طن، بينما احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة ما قبل الأخيرة بإنتاج 35 طن قمح ونيوكاليدونيا المرتبة 124 بإنتاج 8 أطنان فقط.

إنتاج سورية من القمح

أكد المهندس عبد الرحمن قرنفلة أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى تذبذب إنتاج القمح بين عام وآخر، وذلك نظراً لاعتماد 55% من المساحة المزروعة على مياه الأمطار (بعل) وقد سُجّل أعلى إنتاج عام 2006، إذ بلغ إنتاج القطر 4932000 طن، كما تم تسجيل أدنى إنتاج عام 1990 بواقع 2070000طن، وذلك خلال الفترة 1990-2012، أي إن السنوات المتطرفة في كمية الهطل المطري، أو في عدم توزعه المناسب على طول الموسم يمكن أن تؤدي إلى انخفاض يتجاوز الـ58% عن مستوى الإنتاج المحقق في السنوات المطيرة وذات التوزيع المناسب للمحصول، هذا إذا استبعدنا تأثير الأمراض (أشدها تأثيراً مرض الصدأ) والتبدلات المناخية المفاجئة ذات الأثر السلبي على مردود وحدة المساحة من حبوب القمح مثل (اللفحة).

وأضاف قرنفلة: من العوامل المؤثرة المهمة على المردود، التقيد بكميات مياه الري ومواعيد الريات والعمليات الزراعية المختلفة من إعداد الأرض وفلاحتها وموعد الزراعة، واختيار الصنف الملائم للمنطقة البيئية، وكمية البذار المستخدم، والتقيد بالمعادلات السمادية الموصى بها بناء على تحليل التربة، ومواعيد إضافة الأسمدة، والدورة الزراعية المتبعة ومكافحة الأعشاب الضارة والغريبة، وكذلك وقاية المحصول من الإصابات الحشرية، وأخيراً تحديد الموعد المناسب للحصاد والحد من الفقد خلال عمليات الحصاد والنقل.

ومن الجدير ذكره أن القمح بصنفيه القاسي والطري يزرع إما مروياً أو بعلاً، وتتباين كمية الغلة بين القمح المروي والقمح البعل بشكل كبير، إذ شكلت غلة المساحات المزروعة بعلاً بالقمح الطري 17,6% من غلة المساحات المروية المزروعة قمحاً طرياً، كما شكّلت غلة المساحات البعلية للقمح القاسي 28,7% من غلة المساحات المروية المزروعة بالقمح القاسي.

النتائج التي يبينها الجدول المرفق تؤكد أهمية زيادة المساحات المروية واستثمار كل الموارد المائية المتاحة استثماراً رشيداً عن طريق التحول للري الحديث، ولابدّ من إعادة النظر في آليات تنفيذ هذا المشروع وتذليل العقبات التي تبطئ من سرعة تنفيذه، إذ إن التحوّل إلى الري الحديث له منعكس اقتصادي في الإنتاجية، ولاسيما أنه يوفّر من المياه بنحو 30 إلى 50% من كميات المياه المستخدمة لوحدة المساحة مقارنة بالري التقليدي، إضافة إلى التقليل من استهلاك الطاقة المرتفعة الثمن وزيادة الإنتاج وتحسين نوعية المنتج، كل هذه المزايا لها منعكس إيجابي على إنتاجية وحدة المساحة وعلى زيادة إنتاج المحاصيل، وبذلك نضمن الحصول على استقرار أكبر لإنتاج أهم محاصيل الأمن الغذائي السوري، ولاسيما بعد صدور القانون /20/ لعام 2010 الخاص بإلزامية التحول للري الحديث، فهي حاجة ومسؤولية وطنية للمحافظة على مواردنا المائية للأجيال القادمة واستدامة هذه الموارد وتحسين الإنتاجية.

والجدير ذكره أن الحكومة سبق أن سمحت في مواسم عدة بالتوسع بزراعة القمح على حساب كل المحاصيل الشتوية والصيفية بهدف استثمار الأراضي القابلة للزراعة بمحصول القمح، كما سمحت باستثمار الأراضي المستصلحة غير الموزعة ضمن مشروعات استصلاح الأراضي بعقود مع مديريتي استصلاح الأراضي وأملاك الدولة بهدف زراعة هذه المساحة للحصول على أعلى إنتاج ممكن من هذا المحصول الاستراتيجي المهم.

القمح السوري والأزمة الراهنة

أدت الأزمة التي تشهدها البلاد منذ ثلاثة أعوام ونيّف إلى تهديد حقيقي لجهود سنوات طويلة من العمل على ترسيخ مفاهيم السعي نحو إنتاج أعلى من القمح وممارسات إنتاجية جيدة ساهمت في تحقيق الأمن الغذائي لبلدنا، وتوفير فوائض إنتاجية من حبوب القمح تقاسمها السوريون مع أشقائهم في مصر والجزائر وغيرهما من الدول العربية، كما تم تهديد جهود ونتائج البحث العلمي في هذا الإطار من خلال الحد من تنفيذ برامج البحوث العلمية الزراعية وهي التي تأتي بأعلى مردود إنتاجي عبر استنباط الأصناف الأعلى إنتاجية واختيار المعاملات الزراعية التي تؤدي إلى الحصول على أعلى إنتاج وبأقل تكلفة ممكنة، وهنا لابدّ من التذكير بأن كثيراً من الدول العربية تزرع أصنافاً من حبوب القمح تم استنباطها في سورية وعلى أيدي باحثين سوريين وفي مراكز بحث سورية وعلى الأرض السورية.

لقد أعاقت الأزمة وصول مستلزمات الإنتاج من بذار ووقود وأسمدة ومواد مكافحة الحشرات والأمراض وقطع تبديل شبكات الري وعبوات تعبئة المحصول إلى حقول المزارعين، كما سُجلت حالات واسعة تم خلالها إعاقة المنتجين عن تسليم إنتاجهم إلى المراكز الحكومية، كما تعرض كثير من مراكز خزن وصوامع ومطاحن الغلال إلى التخريب أو السرقة، كما تم تعطيل مرافق نقل الحبوب وفي مقدمتها السكك الحديدية والقطارات.

لقد تم توثيق كثير من حالات سعي المزارعين الحثيث للحصول على مستلزمات الإنتاج ليتمكنوا من قيامهم بواجبهم تجاه اخوتهم المستهلكين، لكن في معظم الحالات فشلت جهودهم ولاسيما في السنة الأخيرة، إذ تشير بعض التقارير إلى أن سورية قد تحصد أسوأ محاصيل القمح منذ 40 عاماً نتيجة تضافر عوامل إعاقة المزارعين عن الحصول على مستلزمات الإنتاج، وكذلك عامل الجفاف الذي اجتاح المنطقة الشمالية الغربية من البلاد.ولابدّ هنا من الإشارة إلى أن مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، أكد في شباط الماضي، أن إجمالي المساحات المزروعة بمحصول القمح في جميع المحافظات بلغ حتى تاريخه 1,2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ 72 في المئة مقابل 1,1 مليون هكتار للشعير بنسبة تنفيذ 80 في المئة. وإن تنفيذ خطة زراعة محصولي القمح والشعير تسير بشكل جيد في جميع المحافظات، لافتاً إلى أن إجمالي المساحات المزروعة بالقمح توزع في الحسكة على 511429 هكتاراً، وحلب 227353 هكتاراً، وطرطوس 9400 هكتار، وحماة والغاب 70689 هكتاراً، وحمص 25899 هكتاراً.

وفي السويداء تمت زراعة 23466 هكتاراً، ودرعا 35700 هكتار، وريف دمشق 3025 هكتاراً، واللاذقية 1278 هكتاراً، وإدلب 54998 هكتاراً، والرقة 175 ألف هكتار، وديرالزور 86790 هكتاراً، والقنيطرة 1909 هكتارات.

وبيّن أن إجمالي المساحات المزروعة من محصول الشعير توزعت في الحسكة 287864 هكتاراً، وحلب 332619 هكتاراً، وطرطوس 514 هكتاراً، وحماة والغاب 94069 هكتاراً، وحمص 33965 هكتاراً.. في حين بلغت في السويداء 13854 هكتاراً، ودرعا 10700 هكتار، وريف دمشق 7021 هكتاراً، وإدلب 59109 هكتارات، والرقة 307 آلاف هكتار، وديرالزور 9961 هكتاراً، واللاذقية 136 هكتاراً، والقنيطرة 666 هكتاراً.

وزارة الزراعة أكدت غير مرة أن المحصول جيد رغم الظروف الصعبة وحالة الجفاف التي اجتاحت القطر، وبأنها قدمت كل التسهيلات لإنجاح عملية زراعة وتسويق المحصول هذا الموسم.
السيد أيمن خير معاون مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة قال: تسير عمليات التسويق للمحصول بانتظام ووصلت الكميات المسوقة لمؤسسة الحبوب حتى تاريخه إلى 400 ألف طن قمح من إجمالي الانتاج المقدر من قبل اللجان الفنية والمختصة في الوزارة والبالغ أكثر من 2 مليون طن.

يذكر أن المساحة المحصودة حتى قبل يومين ماضيين تجاوزت الـ50 ألف هكتار، وبالمقارنة مع مواسم ماضية قال خير: لاشك أن الظروف خلال الموسم الحالي صعبة وبالتالي فإن المحصول وعمليات تسويقه لن تكون بتلك الوتيرة المعهودة خلال المواسم السابقة.

عن Hager Fahmy

أحلمها كبيره وثقتها بربها أكبر عنيده ومجنونه تعمل اي شيء صعب لوصلها لما تريده ولا تعلم ما هو المستحيل

شاهد أيضاً

جيل يعلم جيل

كتبت/هاجر فهمي حتى تبدع العقول المصرية فى وطنها ولا تسافر بحثا عن فرصة للتألق والابتكار …