الرئيسية / تحقيقات / مأساة يعيشها أكثر من 3 ملايين أصم

مأساة يعيشها أكثر من 3 ملايين أصم

رشا جاد

على الرغم من أنه تجاوز الـ50 عاماً وتزوج وأنجب ووصل إلى منصب مرموق فى عمله بإحدى شركات البترول، إلا أنه فوجئ يوم زواج ابنته الوحيدة داليا بأنه محروم من حقه فى أن يزوجها بنفسه، وفوجئ بالمأذون يقول له: «مش هينفع انت اللى تجوز بنتك، لأنك مش بتتكلم والزواج عبارة عن كلمة» صدمته هذه الكلمات.

بعد هذا العمر الطويل لم يستطع أحمد حسن أن يفرح بابنته وأن يسلمها لزوجها بنفسه مما جعل المأذون يرأف بحاله فجعله يضع يده فى يد زوج ابنته ومن ورائه يقف أخوه يردد الكلام ويكون هو بمثابة «ديكور» -على حد تعبيره- فى يوم عرس ابنته، وفى نهاية إتمام المراسم قام بالتوقيع على العقد فقط.

لم تكن حالة أحمد حسن هى الحالة الوحيدة بل هى مأساة يعيشها أكثر من 3 ملايين أصم، حسب إحصائيات مستقلة، لا يستطيعون ممارسة حياتهم الطبيعية نظراً لانفصالهم الإجبارى عن الواقع، إما بسبب إعاقتهم أو بسبب تعمد المجتمع حجبهم عن الواقع وتوفيرمترجم إشارة لهم لكى يعينهم فى كل الأمور الحياتية. حرمهم جهل بعض الناس بالقانون من أن يكون لهم دور فى زواج أبنائهم أو فى إتمام مصالحهم فى المؤسسات الحكومية وفى الشهر العقارى أو البنوك.

يقول «أحمد» إنه يعانى يومياً من عدم استطاعته إتمام أى إجراءات حكومية بنفسه وعليه أن ينتظر ابنته أو ابنه لكى يذهب معه للشهر العقارى، ويحكى أنه كان يريد بيع سيارته وذهب مع والدته لكى يوثق هذا البيع وهو يتحدث مع الموظف ففوجئ الموظف بأنه أصم فرفض توثيق العقد بالرغم من أنه يجيد الكتابة.

مر إيهاب سعيد الذى يعمل موظفاً فى إحدى الشركات الكبرى وتجاوز عمره 50 عاماً أيضا بنفس هذه التجربة، حيث رفض المأذون أن يكون وكيلاً لابنته فى يوم كتب الكتاب، مما اضطره لان يجعل ابنه الذى لم يتجاوز 21 عاماً وكيلها، الأمر الذى ترك أثراً نفسياً سيئاً لا يزال يعبر عنه حتى اليوم بإشاراته لنا. يقول: «أنا اللى خلفت وربيت ومافرحتش ببنتى وقعدت فى الفرح مش فاهم حاجة غير إن بنتى بتتجوز النهارده».

«إيهاب» واجه أزمة أخرى مع الشهر العقارى عندما قرر بيع بيته، فذهب إلى الشهر العقارى واكتشفوا أنه أصم فرفضوا البيع أو التوقيع وطلب الموظف إحضار اثنين من الشهود، يضيف: «بحثت عن أى شخص لكى يضمنّى فى الشهر العقارى لمساعدتى ويمضى معايا على عقد البيع».

يضيف بإشاراته: «فضلت يوم كامل أدور على اتنين شهود لدرجة إن الناس العادية استغربت من طلب موظفين الشهر العقارى وقالولى (هما عايزين حد معاك ليه إنت بتعرف تقرا وتكتب ومش صغير)، الشهر العقارى حسسنى إنى عاجز ومتخلف يعنى أنا عايز أبيع الشقة وأنا عارف الإجراءات وليا منصبى ومكانتى وسط الناس ويرفضوا فى النهاية إنهم يخلونى أبيع أو أعبر عن نفسى ودا أبسط حقوقى»، متسائلاً: لماذا لا يوجد مترجمو إشارة معتمدون فى وزارة العدل حتى أتمكن من إنهاء ما أريد بسهولة لو كان الأصم غير متعلم، أو الاكتفاء بالكتابة بالنسبة للمتعلمين أمثالى».

شعبان سلامة وثريا زوجته تجاوزا الـ60 عاماً، وتعرضا لجميع أشكال التهميش بسبب عدم تمكينهما من عمل توكيلات فى الشهر العقارى لمحامين، الأمر الذى تسبب فى ضياع حقهما فى ميراث كل منهما من والديه. فبعد حياة طويلة عاشتها ثريا فى السعودية ولبنان للعمل فى الخدمة فوجئت عند عودتها إلى مصر منذ 14 عاماً بأن أختها استولت على ميراثها بعد وفاه والدتها، إذ استغلت الأخت جهل ثريا وإعاقتها بالصمم واستولت على كل حقوقها.

ولاستعادة ذلك قررت رفع قضية إلا أنها ذهبت هى وشعبان زوجها إلى الشهر العقارى ففوجئت بموظف الشهر العقارى يرفض أن يقوم بعمل توكيل لها إلا بعد إحضار مساعد قضائى لكى يضمنها ويتحدث بالنيابة عنها، تقول: «عاملنى الموظف كما لو كنت ناقصة الأهلية وخلانى أجيب أخويا وعملنا خناقة عشان يرضى يطلع لى التوكيل». وفى النهاية تقول ثريا تمكنت من عمل توكيل وبدأت إجراءات التقاضى التى استمرت 14 عاماً ولم يستعن القاضى بمترجم إشارة إلا مرة واحدة خلال كل جلسات التقاضى، ولم يستمع إلى وجهة نظرى إلا مرة واحدة فقط، وبالتالى خسرت القضية وميراثى كله».

أما شعبان فقد حدثت مشاكل بينه وبين إخوته بسبب بيع عقار لوالدهم، وبسبب عدم وجود مترجم إشارة والترجمة الخطأ التى وصلت له، ففوجئ أنه الوحيد الذى لم يأخذ حقه من بيع البيت».

تقول نادية عبدالله، رئيس المؤسسة المصرية لحقوق الصم، تعقيباً على ذلك، إن وزارة العدل تتعامل مع الصم والبكم على أنهم ليس لهم رأى وتطلب مساعدا قضائيا للقيام بكل متطلبات الصم سواء فى عمل توكيلات أو فى رفع قضية أو أى تعاملات مع أى هيئة قضائية بغض النظر هل سيقوم بعمل ما يريده الأصم أو لا، «طالما بيتكلم موظف الشهر العقارى هيعمله التوكيل، وأى حاجة، ومش بيكلف نفسه يتأكد من إرادة الشخص الأصم».

وتضيف: «المساعد القضائى هو شخص يتم تعيينه من قبل المحكمة للشخص الأصم فقط وليس لأصحاب الإعاقات الحركية أو البصرية، ويشترط فيه أن يكون بالغاً عاقلاً وألا يكون قريبه، وبهذا يتم إلغاء إرادة الأصم لأنه يحصل على ما يفيد تمثيله رسمياً وبالتالى يكون له الحق فى التصرف دون الرجوع للأصم، الأمر الذى يؤدى إلى مشكلات كبيرة خصوصاً لو كان المساعد القضائى غير نزيه».

وتشير إلى أن المساعد القضائى يتم تعيينه من خلال المحكمة للأصم فقط سواء كان قاصراً أو بالغاً، ونظراً لتدهور مستوى التعليم فى مصر، لا يعرف كثير من الصم حقوقهم ولا يعرفون ما يدور حولهم، كما أن إجراءات تعيين مساعد قضائى تستغرق 6 أشهر.

لم يتوقف الحد عند التعامل فى الشهر العقارى أو قضايا الميراث أو غيرها من المشكلات القضائية إلا أن «س. س» فوجئت أنه صدر حكم بتطليقها من زوجها وهى لا تعرف لأنها صماء، فرفع عليها الزوج دعوى تطليق وفوجئت بإعلان الدعوى، ولم يطلب القاضى الاستماع إلى الطرفين ولم ينتدب مترجم إشارة، واستغل أهل الزوج أن كل إخوتها من الصم، فصدر الحكم بالطلاق.

حالة أخرى من الصم اعتمدت على قدرات خاصة للهروب من التعقيدات الرسمية، فرامز عباس أصم إلا أنه يجيد قراءه لغة الشفاه الأمر الذى مكنه من عمل توكيلات فى الشهر العقارى ويمارس حقوقه بشكل طبيعى جدا دون أن يعلم موظفو الحكومة أنه أصم أبكم، يقول عن ذلك: «قمت بعمل توكيل لترشيح حنان محسن أول مرشحة صماء للرئاسة وقمت بالتركيز على قراءة الشفاه ولم أقل لهم إعاقتى، ونجحت فى تفادى التعقيدات الحكومية».

كانت المؤسسة المصرية لحقوق الصم رفعت دعوى قضائية بالقضاء الإدارى ضد وزير العدل ومصلحة الشهر العقارى برقم 28651 لسنة 66 ق، للمطالبة بإلزام الشهر العقارى بالاستعانة بالمترجمين المعتمدين من الجمعيات المتخصصة فى قضايا الصم والبكم.

وتروى نادية عبدالله، رئيس المؤسسة المصرية لحقوق الصم، أزمة واجهت الصم والبكم أثناء انتخابات الرئاسة قائلة: «رفض موظفو الشهر العقارى تحرير توكيلات للصم لدعم مرشحى الرئاسة، وهو ما يعتبر مخالفا لنص الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص ذوى الإعاقة، وأيضا بخلاف المادة 44/1 من القانون المدنى التى تنص على أن: كل شخص بالغ وراشد ويتمتع بقواه العقلية ولم يحجر عليه يعد شخصاً كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية».

وقالت «بالفعل أثناء جلسات المحكمة قام القاضى بالاستماع للصم وفهم منهم القضية وكان متجاوبا معهم، وحصلنا بالفعل على حكم بأحقية الأصم فى الاستعانة بمترجم إشارة أمام الشهر العقارى والبنوك بدلاً من المساعد القضائى».

وألزم الحكم الصادر فى يونيو الماضى، وزير العدل بالاعتراف بلغة الإشارة، وتعيين مترجمين إشارة معتمدين من الجمعيات والمؤسسات الأهلية للاستعانة بهم فى جميع الجهات الرسمية والبنوك، وطالب القاضى فى نص حكمه بوقف التعسف ضد الصم والبكم، مشيرة إلى أنه على الرغم من هذا الحكم إلا أن القضاء والشهر العقارى ووزارة العدل لم تعتمد مترجمى إشارة حتى الآن للتعامل مع الصم.

عن Rasha Ahmed

شاهد أيضاً

15208068_1823513311253279_51244037_n

المستشفى المركزى بـ البدرشين مخصصة ونموذج للخدمات الطبية المميزة

تحقيق : اسلام عواد – دنيا سعد – مالك احمد – تعتبر مستشفي البدرشين المركزي …