الرئيسية / أخبار ثقافية / زيادة وجبران.. رسائل الحب العذري الحديث

زيادة وجبران.. رسائل الحب العذري الحديث

زوووم نيوز

بقلم: محمد الجداوي

الحب.. تلك الكلمة التي حيرت العالمين لفهمها، وما فهمها أحد، تلك الكلمة التي بنت بصدقها أمما وحضارات وتاريخا، منها أنشأ هذا العالم، ومنها خلق الله نصفا يشاطره متاع ومشاق الحياة.

الحب.. به طاف آدم الجنة، وبه أخرج منها ووعد بها مرة أخرى، الحب مبتغى السائلين، ونور طريق الحائرين، مهبط الحيارى التائهين، ومأوى العاشقين.

الحب.. لم يعرف له أصل، ولم يحسم له اشتقاق، اختلف فيه بقدر ما رغب الناس في تحصيله، فمنهم من قال إن الحب مأخوذ من الحبة (بكسر الحاء) أي بذور الصحراء، فسمي الحب حبا لأنه لباب الصحراء كما البذر لباب النبات.

ومنهم من أرجع الحب إلى الحباب (بضم الحاء) وهو الرذاذ الذي يعلو المطر عند اشتداده، فغليقة الجوانح عند الاهتياج إلى رؤية المحبوب كمثل الحباب ساعة اشتداد المطر، والحب هو تعلق القلب بمن يراه خيرا له وكفوا.

وللحب مراتب لا يستقيم بها إلا من عرفها وعايشها، أولها الهوى وآخرها الهيام، وللحب بمراتبه سحر كما يقول الرافعي “من سحر الحب أن ترى وجه من تحب هو الوجه الذي تضحك به الدنيا وتعبس أيضا”.

والحب أنواع كأنواع النوى، فمنه ما كان من النظرة الأولى، ومنه الحب العذري، ومنه الأفلاطوني، ولمدارس الحب رواد ومعلمون، أعلام وأمثلة على مدى الأجيال المختلفة، كعنترة عبلة وكثير عزة وقيس ليلى وجبران وزيادة وهما موضع الحديث.

من هما مي وجبران:

مي زيادة:

أديبة فلسطينية لبنانية، ولدت في الناصرة عام 1886، أتقنت تسع لغات لكن معرفتها بالفرنسية كانت عميقة ولها بها شعر، درست في كلية الآداب وأتقنت اللغة العربية وتابعت دراستها في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة.

تمثلت باكورة إنتاجها الأدبي في ديوان شعر بالفرنسية عام 1911 بعنوان أزاهير حلم، ثم تلته إصدارات أهمها باحثة البادية 1920، وكلمات وإشارات 1922، والمساواة، وظلمات وأشعة 1923، وبين الجزر والمد، والصحائف 1924.

حجر عليها أهلها، وأدخلوها مستشفى الأمراض العقلية ببيروت، بعد تعافيها خرجت لبيت مستأجر ثم أقامت عند الأديب أمين الريحاني حتى عادت إلى مصر.

ظل قلبها مأخوذا بجبران خليل جبران، إذ دامت المراسلات بينهما عشرين عاما حتى وافته المنية في نيويورك 1931، بادلته حبا روحيا خالصا، اتخذت رسائلها صيغة غرامية عنيفة، لم تتزوج جبران ولم تتزوج غيره وفاء له، حتى توفيت عام 1941.

ماتت في مستشفى المعادي بالقاهرة عن عمر يناهز 55 عامل، ولم يمش في جنازتها سوى ثلاثة (أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وأنطوان الجميل)، نعاها كثير من الأدباء والمثقفين، قالت عنها هدى شعراوي: “كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة”، رثاها أمين الريحاني في مقالة نشرت على أوراق بجريدة المكشوف بعنوان: “انطفأت مي”.

جبران خليل جبران:

شاعر وأديب ورسام لبناني، ولد لعائلة مارونية عام 1883 في بلدة بشرى شمال لبنان التابعة لجبل لبنان العثماني، هاجر مع أمه عام 1895 إلى لبنان، حيث درس الفن وبدأ مشواره الفني.

اشتهر عالميا بكتاب النبي، الذي نشر عام 1923، يتكون من 26 قصيدة، وترجم لأكثر من 20 لغة، ذاع صيت جبران بعد تلقيبه بالشاعر الأكثر مبيعا بعد شكسبير ولاوزي.

عانى جبران الفقر مع أسرته؛ بسبب كسل والده وانصرافه إلى السكر والمقامرة، تعلم مبادئ القراءة والكتابة من الشاعر سليم الضاهر، الذي فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب، سجن والده بتهم اختلاس وصودرت أملاكه، أطلق سراحه عام 1894، قررت أسرته الهجرة إلى نيويورك باصطحاب جبران وأختيه ماريانا وسلطانة وأخيه بطرس.

كان جبران ميالا للوحدة والتأمل وأحلام اليقظة، عاش منطويا على نفسه، كان جبران سريع البديهة، ومتواضعا، إضافة إلى رغبته الشديدة في الشهرة، حتى ولو كانت الشهرة بالانتقاد، اطلع على ثقافات واسعة.

رغم ما كتب عن علاقات جبران الغرامية إلا أنه أحب ميا حبا لا يكافئه إلا حبه العارم لوطنه لبنان، الذي كان يسري في عروقه، كانت مي بالنسبة لجبران الحبيبة والصديقة وحلقة الوصل بينه وبين الشرق، إذ أحب فيها عقلها، إضافة لحبها له وإعجابها بشخصيته.

توفي جبران في نيويورك عام 1931 عن عمر يناهز 48 عاما بعد صراع مع المرض عانى خلالها من تليف في الكبد والسل، دفن في صومعته القديمة في لبنان (متحف جبران) عام 1932، كتب على قبره: “أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك”.

لم تستطع مي طيلة 12 عاما أن تصرح بعواطفها الجياشة، وبينت في إحدى رسائلها أن الورق هو الذي منحها جرأة الكتابة، وأنه لو شاركها الواقع لهربت منه خجلا، انقطعت عن مراسلته فترة بعد فقدانها الأمل بعرض للزواج يأتيها من جبران، ثم عادت للمراسلة؛ خوفا على صحته المتدهورة، وخضوعا لعاطفتها الجياشة التي ألحت عليها لمراسلته.

نماذج من رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران:

من جبران إلي مي 26 فبراير 1924

“تقولين لي إنك تخافين الحب، لماذا تخافين يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر؟ أتخافين مجئ الربيع؟ لماذا يا ترى تخافين الحب؟

أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكثير، نحن نريد كل شيء، نحن نريد الكمال، أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلا من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.

اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت، وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار؟ وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟

والآن قربي جبهتك، قربي جبهتك الحلوة.. والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة”.

من مي إلى جبران 11 مارس 1925:

“صديقي جبران

لقد توزع في المساء بريد أوروبا وأمريكا، وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع، وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك، نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل، ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل.

لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا، ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته!

أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل، حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح، فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه.

ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا، وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة، ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا”.

عن محمد الجداوي

شاهد أيضاً

” أنتو فين ” أحدث كليبات فريق مهرجانات السامبا

زوووم نيوز   يستعد فريق مهرجانات السامبا بالإشتراك مع المخرج” عبده ديابلو”بتصوير كليب أغنية “إنتو …

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.