الرئيسية / أخبار سياسية / تحليل نفسي لحوارات «السيسي»

تحليل نفسي لحوارات «السيسي»

كتب / ايمن طاهر

سيشمل هذا التحليل العديد من الحوارات والكلمات فى المناسبات المختلفة، خاصة حواره الأخير فى جريدة «المصرى اليوم»، وكلمته التى ألقاها فى ذكرى انتصار أكتوبر (2013)، وسنهتم أساسا بالجوانب النفسية ودلالاتها ومراميها، وهذا يضيف لفهم الجوانب السياسية، وفهم أبعاد الشخصية، وسنتوخى فى هذا التحليل الحيادية والموضوعية قدر المستطاع، فليس هدفنا تأييد الرجل أو معارضته، لكن هدفنا الفهم العميق له، لأن الفريق أول السيسى سواء اختلفت معه أو اتفقت فهو يشكل محور ارتكاز مهما فى الأحداث فى مصر فى الشهور الأخيرة، وربما أيضا فى الشهور أو السنوات المقبلة، وننبه أيضا بأننا لا ندّعى تحليل شخصية الفريق أول السيسى، فهذا أمر له متطلبات غير متاحة لنا وغير واردة، ولكننا نحلل شكل ومحتوى الخطاب، وطريقة التواصل والأداء، لكى نفهم الرسالة، التى تصلنا بشكل أكثر عمقا وشمولية، وسنقسم التحليل إلى ثلاثة عناصر: الشكل والمحتوى ولغة الجسد.

أولا- الشكل:
الكلمات غالبا قصيرة من حيث الوقت، وهو لا يسرف فى خطاباته، ويحدد توقيتاتها بدقة شديدة، لكى يحقق الهدف، الذى يريده من الخطاب، والكلمات تكون محددة ومنظمة وموجهة نحو الهدف دون حشو أو ثرثرة، ولا توجد لزمات كلامية أو لعثمة أو تردد أو زلات. يلاحظ وجود أكثر من مصحف على مكتبه فى علب مذهبة، ويلاحظ أيضا وجود علامة صلاة خافتة فى الجبهة بما يعكس مظاهر تدين تعززها مفردات دينية تتخلل الحديث تكشف عن مساحة دينية معتبرة بداخله، وقد يقول البعض إن هذه المظاهر الدينية نوع من رد الفعل على اتهامه بالوقوف فى وجه تيار الإسلام السياسى.

ثانيا- المحتوى:
يعكس محتوى الحديث عقلا هادئا ومنظما وواقعيا وموضوعيا، ولا يميل فى الأغلب إلى استخدام الشعارات أو اللافتات الكبيرة باستثناء بعض العبارات التى يداعب بها مشاعر الجماهير مثل عبارته الشهيرة «مصر أم الدنيا وهاتبقى قد الدنيا». متواضع فى كبرياء واعتزاز شديد بالذات، وهذا التواضع يلطف من ظهور الأنا بشكل واضح، ولا يصدم المتلقى بحضور شخصى مقلق رغم الكاريزما الواضحة والحضور المؤثر. يعرف حدوده جيدا، ولا يتجاوزها، ولا يدع طموحاته تنطلق بلا حدود، بل يلجمها، ويتحرك بحسابات وحذر، ومع هذا يقطع مسافات واسعة، ويؤمن كل خطوة حتى لا ينزلق. يجيد التوقيت لكلماته، كما يجيد التوقيت لقراراته، ويتضح هذا فى خطابه، الذى أعطى به مهلة أسبوعا، ثم مهلة أخرى 48 ساعة، ووجه فيه كلمات منتقاة بعناية يفهمها كل فريق بطريقته، ولكنه فى النهاية يحتفظ بزمام المبادرة، واختيار التوقيت.
ربما تعطيه خلفيته المخابراتية ثقة عالية بمعلوماته ومعرفة عميقة بخريطة الأحداث وتوجهات موازين القوى، وحسابات رد الفعل، ويعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يظهر، ومتى يتوارى، ولا يستطيع محاوره أن يأخذ منه أكثر مما يريد أن يعطى، ولا يورط نفسه فى مساحات حرجة، أو يقع فى حفر، أو حقول ألغام (مع الوضع فى الاعتبار أن الحديث معد له سلفا، ويتوقع أن تكون الأسئلة قد تم الاتفاق على صياغتها ومراجعتها).
ورغم خلفيته وتربيته ورتبه العسكرية، ورغم دقته وموضوعيته إلا أنه يتمتع بذكاء وجدانى مرتفع فصوته مفعم بالدفء الإنسانى والنعومة، وفى نبراته ونظراته مسحة حزن تجلب له التعاطف، وكلماته مشبعة بالمشاعر، وهو يجيد مخاطبة عواطف المصريين، كما يجيد مخاطبة عقولهم، نلمح ذلك فى بعض عباراته «مش ممكن حد يرهب أهالينا أو يروعهم.. ده إحنا نموت أحسن».. «إنتو مش عارفين إن إنتو نور عنينا».. «قبل إنتو ما تتألموا إحنا نموت الأول لكن إنتو ما تتألموش».. «حد يندهش ليه إحنا بنحبكم وليه إحنا تحت أمركم».. «حد يجى جنب المارد اللى اسمه مصر وينهش فى لحمه».
وربما نشأته فى حى الحسين أعطته سمتين واضحتين: سمة التدين وسمة المصرية، فأما سمة التدين فتنعكس فى حضور المفردات والمعانى والاستلهامات الدينية البسيطة والتلقائية، التى تجدها فى خطاب أى مصرى بسيط، وينعكس ذلك فى قوله «وهذا ما يجعلنى واثقا جدا من نفسى، مش بس عشان المصريين، لكن علشان ربنا اللى أنا رايح له، لأننى مهما فعلت ومهما وصلت إلى أى منصب، وكان ربنا مش راضى عنى مش هاكون كسبان أى شىء، لأن هذا الموضوع يقلقنى جدا، لأننى يوما ما سأقف أمام يدى الله، وسوف أسأل عن كل ما فعلت، فلا يمكن أن أكون قمت بأى عمل لا أدرك تماما من واقع اجتهادى أنه الحق والصواب، على مدار عمرى منذ تشكل وعى وأنا فى هذا الإطار»..

وحين سئل: من الشخصية التى تأثرت بها، وتعتبرها قدوة أو مثلا أعلى؟، رد على الفور: «سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته، الذين أقتدى بهم فى رشدهم فى فهم صحيح الدين.. وقال عن نشأته فى منطقة الأزهر والحسين: «فعلا هذه المنطقة المفعمة بالحياة هى قلب مصر، وهى التى شكلت الشخصية المتوازنة الوسطية التى نتعامل بها مع كل الناس.. المسلم والمسيحى، المصرى والأجنبى، وتأثرت كثيرا بفضيلة الإمام متولى الشعراوى، وعلم الشيخ صادق العدوى، وغيرهما.. ووجدانى كمصرى متدين وسطى يعشق وطنه تشكل فى ربوع الأزهر والحسين»، وأما سمة المصرية فتتبدى فى طريقته فى الحديث كأولاد البلد الأصليين، واستخدام تعبيرات الشهامة و«الجدعنة»، ومداعبة مشاعر المصريين، وملامسة عواطفهم، وإشعارهم بالكرامة والقيمة، وربما بالمبالغة فى تقدير الذات «مصر أم الدنيا وهاتبقى قد الدنيا»، وهى سمات مصرية أصيلة.

يعرف الشعور الدفين لدى الشخصية المصرية، الذى كان يعرفه أيضا عبدالناصر، وهو الشعور بالغبن والقهر رغم المجد القديم والنرجسية الوطنية لهذا نجده يقول: «إن حدودنا كرامتنا، وإن جيشنا قادر على صد أى عدوان»، وإعجابه بعبدالناصر واضح ومنعكس فى طريقة مخاطبته الناس، وفى نبرات صوته، وفى استمالاته العاطفية للروح المصرية، وللكرامة المصرية، وقد حقق نجاحا كبيرا فى كسب شعبية هائلة فى وقت قصير كما حدث لعبدالناصر من قبل، ورغم اشتراكه مع عبدالناصر فى مساحات عديدة إلا أنه يحاول ألا يقع فيما وقع فيه عبدالناصر فينبه الجماهير المنبهرة: «الوطنية مش مجرد كلام.. الوطنية عبارة عن ممارسة وسلوك، وترجمة على أرض الواقع، وتغليب المصلحة العامة على ما دونها مهما كانت التضحيات».. «على كل من يشغل منصبا سياسيا أو حزبيا أن يغلب المصلحة العليا للبلاد، لأن هذه المصلحة هى التى ستجعل الكرامة تسرى فى جميع العروق بعد سنوات ذاق خلالها الشعب مر الهوان وقهر الظلم»..

«مصر منتظراكم ارفعوا من شأنها فهى تستحق أن تعانوا من أجلها».. «مصر صبرت علينا كتير، ولا يجب أن نكسر بخاطرها أكتر من كده»، وحديثه عن مصر ليس فقط حديثا عاطفيا يدغدغ مشاعر الجماهير، ويستميل تعاطفهم، (وقد نجح فى ذلك كثيرا بالفعل)، ولكن توجد لديه رؤية موضوعية وواقعية لخصها فى كلمات قليلة: «مصر تمتلك مقومات القوة الشاملة من كتلة حيوية كالأرض والسكان والموقع الجيوبولوتيكي/ الجيواستراتيجى والمناخ، ومن موارد اقتصادية وسياسية، وعناصر القوى الناعمة، كالحضارة والثقافة والعقيدة، ما يسمح أن تكون قوة إقليمية فاعلة بمحيطها الإقليمى، الذى هو صمام الأمن والسلام للنظام العالمى، وتحويل هذه المقدرات لقوة فاعلة مؤثرة يتطلب توافقا وطنيا وإرادة قوية من الجميع، للتعاون والعمل الحقيقى، ثم تخطيطا واستراتيجية عملية تضع فى اعتبارها طموحات وآمال الشعب فى استعادة مشروعه الوطنى والقومى بالمنطقة».

ومسحة الحزن على وجهه، ونبرات الألم فى صوته ربما تعود إلى خبرات فى حياته، وقد فسرها هو بقوله: «شعرت بالإحباط والألم لسنوات طويلة»، وكان ذلك بسبب عدم تحقق حلمه فى الالتحاق بالكلية الجوية، ومعروف أن الشخصية الطموحة الوثابة حين تحبط فى تحقيق حلمها الأصلى تتوجه بقوة فى حلمها البديل، لتحقق فيه أقصى درجات النجاح، والتميز كنوع من التعويض، وهذا ما حدث حيث تدرج الفريق أول السيسى فى المناصب العسكرية القيادية، ووصل إلى قمتها فى سن صغيرة نسبيا. والبعد العائلى واضح وعميق لديه إذ ذكر أنه بعد تلاوة بيان 3 يوليو ذهب إلى والدته يستلهم دعاءها وبركتها.

لديه إدراك عميق لطبيعة الأفق الفكرى والعقائدى والسلوكى للتيار الإسلامى، ولديه تحفظات على توجهات ذلك التيار، ولكنه لا يصل إلى درجة العداوة أو الاحتقار أو التشفى أو المرارة أو الانتقام تجاه هذا التيار (رغم الصراع الدائر والجراح الدامية) فهو يختلف مع ممارسات التيار الدينى، ولكن لا يظهر أن له مشكلة مع الدين أو التدين فى حد ذاته، فهو يرى أن بعض الإسلاميين أساءوا للإسلام، وليس كلهم (هذا على عكس الخطاب الإعلامى الراهن، الذى يعمم الحكم على الإسلاميين، ويضعهم تحت لافتة الشياطين والإرهابيين)، فنراه يقول: «نحن لدينا إشكالية يجب أن نتصدى لها بالعقل والعلم والإرادة، لأننا فى النهاية نتعامل مع جزء من جسدنا، ولو نجحنا فى أن نداويه أفضل من أن نقوم ببتره»، ويقول: «أنا جئت موقعى، ووجدت تيارا يحكم البلد، وكنا نعامله بمنتهى الأمانة والإخلاص، وذمة وشرف، وحاولنا أن ينجح ليس حبا فيه، ولا انحيازا له، لكن كنا نتعامل بمنطق الوطنية، الذى يتطلب التضحية بالنفس، وبأى منصب من أجل البلد، وكنت أقول إن محصلة سقوط هذا التيار ستمس مصر». لا يهدد ولا يتوعد ولا تظهر فى كلماته ضغينة لأحد، ويتحدث عن الرئيس السابق الدكتور مرسى بأدب، ولا يشكك فى نواياه، وإنما يعزو ما حدث لإخفاقاته، وخطأ تقديراته للأمور، ويتناول الأحداث (من وجهة نظره) بقدر من الموضوعية والواقعية، والإنصاف، والحذر.

تبدو من حديثه ومفرداته اللغوية خلفية ثقافية واضحة، وقد أكدها حين قال: «أنا أعشق القراءة، وظللت قارئا نهما، أقرأ فى كل الأوقات والأماكن»، وذكر أن كاتبه المفضل محمد حسنين هيكل، وهذا ربما يوضح تلك العلاقة الوثيقة لهيكل بالأحداث، ويوضح أيضا حالة التوحد مع شخصية عبدالناصر، الذى كان يثق بهيكل، ويعتبره مستشاره الأول، وعبدالناصر أيضا كان قارئا ومثقفا، وكانت له رؤية وفلسفة، وحين سئل الفريق أول السيسى عن رأيه فى عبدالناصر قال: «جمال عبدالناصر الزعيم الذى حمل هموم الشعب بإخلاص فلم ينسه الشعب.. عندما يذكر أحد اسمى بجانب اسم الزعيم عبدالناصر أقول دائما يا رب أكون على قدر هذه الثقة».

طموحاته هائلة تجاه التأثير فى الأحداث، والقيام بدور الزعيم الحامى للوطن، والموجه والصانع للأحداث، وهو يتصرف كزعيم سياسى وشعبى، لكنه يلطف ذلك بنبرات التواضع، ومعرفة الحد الذى يتوقف عنده، حتى لا يبدو مغرورا أو مزهوا أو متعاليا أو طامعا فى السلطة، ورغم محاولته الالتزام بحدود دوره الوظيفى كوزير للدفاع، وقائد عام للقوات المسلحة إلا أن حديثه ملىء بالسياسة، وهو يتحدث كزعيم له رؤية، وله فلسفة تتجاوز كثيرا الحدود الوظيفية، وحين سئل عن احتمالية ترشحه للرئاسة رد ردا دبلوماسيا فقال: «الأمر الذى تتحدث فيه أمر عظيم وجلل، لكنى أعتقد أن الوقت غير مناسب الآن لطرح هذا السؤال فى ظل ما تمر به البلاد من تحديات»، ثم صمت لحظات قال بعدها «الله غالب على أمره»، وهذا يشير إلى أن الأمر يتزحزح مع الوقت من نفى احتمالية الترشح إلى ترك الأمر للظروف والمراحل القادمة بما يوحى بقوة فى احتمالية استكماله مسيرة طموحه فى أن يكون زعيما.

ثالثا- لغة الجسد:

لا يمكن فصل لغة الجسد عن اللغة اللفظية فهى إما تؤكدها، أو تعارضها، أو تظهر تناقضاتها، وأول ملمح فى لغة الجسد لدى الفريق أول السيسى هى حالة الانضباط والالتزام الصارم، التى تتبدى فى وقفته أو جلسته المستقيمة المشدودة، ولباسه العسكرى المهندم بعناية، ولديه مهارات تواصل جماهيرى عالية تتبدى فى نظرات عينيه لمشاهديه (التواصل البصرى) طوال الوقت، واهتمامه بالتوجه نحوهم يمنة ويسرة، واستشعار انطباعاتهم، وردود أفعالهم فى غير مبالغة، أو ابتذال أو استعطاف زائد، ويتميز صوته بالهدوء والنعومة فهو يستخدم طبقات صوت منخفضة وعميقة وهادئة، ويضغط على كلماته ليؤكدها ويعمقها فى وعى المستمع، وربما يعيدها زيادة فى التأكيد، ويبتعد تماما عن النبرات الحادة، وعن اللغة الوعظية الخطابية، والصوت دائما مفعم بقدر كبير من المشاعر والحميمية والنعومة، وفيه نبرة حزن واضحة تستثير التعاطف، ورغم النعومة والهدوء والحميمية، التى ترسل رسالة فيها قدر من الاستعطاف، تظهر حركة الإصبع السلطوية وحركة الكف المشدود (السيف)، لتكشف الجانب السلطوى، الذى تحاول الكلمات والنبرات الهادئة أن تلطفه أو تداريه.

أما أغلب حركات اليدين فمتوازية ومتوازنة، وحركات الجسم معقولة، وتعكس انضباطا وسيطرة على الانفعالات. حين يصمت تبدو زاويتا الفم متجهتين لأسفل مما يعكس مسحة حزن وألما عايشته ملامح الوجه طويلا. ملامحه مصرية أصيلة ومألوفة، وتشبه الكثيرين من المصريين، الذين تلقاهم فى كل مكان على أرض مصر.

طريقته فى التعبير اللفظى وغير اللفظى تنتمى إلى الطبقة الوسطى للشعب المصرى، فبساطته غير مبتذلة أو شعبوية أو عشوائية، ورقيه غير متعال أو أرستقراطى. نعومته وعاطفيته تواكبها مظاهر رجولة واضحة وشهامة ومروءة مؤكدة وهادئة، ومظاهر سلطوية تتسلل فى لطف ودهاء فيتقبلها متلقوها دون مقاومة. أما عن النظارة الشمسية السوداء، التى يظهر بها كثيرا فربما تتفق مع الخلفية العسكرية والمخابراتية، التى تحرص على إخفاء المعلومات والأسرار، أو ربما تمثل نوعا من الفخامة والشياكة السيادية.

خلاصة القول أن الفريق أول عبد الفتاح السيسى يتمتع بكاريزما هائلة قد تكون محركة للوعى الشعبى فى اتجاه تحقيق أهداف قومية كبرى، وقد تكون ساحرة لهذا الوعى فتخدره، وتجعله يعيش فى حلم لذيذ يفيق بعده على واقع مختلف، وتلك هى معضلة الزعامة الكاريزمية.

عن admin

شاهد أيضاً

نقابة البيطريين تعلن مقاطعة الامريكان

كتابة وتصوير: محمدالدين احمد نظمت نقابة البيطريين مؤتمراً صحفياً الساعة الثانية من مساء اليوم بمقر …