الرئيسية / أخبار ثقافية / المغازي: نقاد الحداثة و”بتوع الشحر الحر” يهدمون القصيدة العربية ويخدمون الاستعمار

المغازي: نقاد الحداثة و”بتوع الشحر الحر” يهدمون القصيدة العربية ويخدمون الاستعمار

أشعل الدكتور حسن مغازي، أستاذ الأدب بكلية الآداب جامعة وعضو مجمع اللغة العربية، معركة كادت أن تنطفيء بانتصار الشعراء والنقاد المؤيدين للحداثة وما بعدها، وهذه سلسلة من مقالاته عما أسماه بـ”الشحر العر”، متسائلا: “بيجيبوهم من فين؟!

لدينا عدد من شيوخنا، وعدد من زملائنا أنفقوا ردحا من أعمارهم فى دراسة(الحداثة)تنظيرا، أو تطبيقا، سواء أكانت دراستهم فى جامعاتنا، أم كانوا قد درسوا ذلك فى جامعات أوروبا وأمريكا، الهم الأكبر الذى ينشغل به أولئك بفريقيهم نقل الدراسات النقدية(غير العربية)لتطبيقها على القصيدة العربية، ذلك رغم اختلاف البيئة بين هذى القصيدة وتلك الحداثة، لذلك لا يكاد يتلقى أى من هؤلاء مطلع القصيدة العربية حتى تجده يتساءل:
أين عناصر(الحداثة)فى هذا(العمل)؟
دراساته تملى عليه ذلك، فترة غير قليلة من عمره أنفقها فى ذلك الدرس يملى عليه ذلك، اقتناعه العميق بصحة تلك(الحداثة)فى ذاتها يملى عليه ذلك، لا أحد ينكر عليكم أيا من تلك النقاط، إنما الذى نستنكره بشدة أنكم تنسون أنكم درستم فيما درستم أن(الشعر)فى الأمم عموما ثلاثة أصناف؛ ملحمى، وقصصى، وغنائى، ودرستم أن الملحمى والقصصى نادر جدا فى أدبنا العربى، وأن معظم القصيد العربى من صنف(الشعر الغنائى)، ولمن لا يعرفون ذلك التصنيف نوضح أن ذلك الصنف ليس هو(القصائد المغناة)؛ كالأطلال مثلا، وإنما(الشعر الغنائى)هو كل شعر يتحدث فيه الشاعر عن ذاته، وإحساسه، ماثلا فى شخصه، أو قبيلته، أو وطنه، أو مجتمعه، معبرا عن قضايا ذلك كله، أو بعضه، وهو يشمل معظم قصيد العربية.
لذلك تختلف(مناهج النقد)أيضا، الشعر الأوروبى، والأمريكى معظمه ملحمى، أو قصصى، فطبيعى أن تكون(مناهج النقد)هناك تخدم هذين الصنفين، وهو فى(تنغيمه)قائم فى معظمه على ما يسمى(النبر، والمقاطع، والأرجل)، فى علم تدرسه أقسامهم، اسمه(prosody).
ولأن حصيلة المعجم فى تلك اللغات محدودة جدا عند موازنتها بحصيلة المعجم العربى يتحرك المبدع والناقد هناك فى دائرة محدودة أيضا عند موازنتها بأمواج الدائرة العربية الهادرة إبداعا ونقدا، لدرجة أن النقاد الفرنسيين تاريخيا كانوا يرون استحالة الشعر بالإنجليزية لعدم قدرتها على تقبل المجاز.
من هنا تنبع غرابتك أيها الناقد العربى الدارس مناهجهم عند تطبيقها على قصيدنا، تريد أن(تحصر)رحابة القصيد العربى فى دائرتهم الضيقة، تريد من الشاعر أن يتحرر من القافية؛ لأنها مفقودة فى الشعر غير العربى؛ بحكم ضيق الأفق فى معاجم غير العربية، تريد من الشاعر أن يتحرر من(أنغام الشعر العربى)؛ لأنها مفقودة فى الصنفين(القصصى)، و(المسرحى).
تحكم على القصيدة العربية بانعدام حداثتها؛ لأنك فقدت فيها ما أنفقت فيه عمرك تدرسه من مناهج نقد، تلك المناهج لم تنشأ لشعرنا، لا يصح لك تطبيقها على قصيدنا، نقد قصيدنا ينبع من أسس لغتنا وإبداعنا.
نقاد أوروبا وأمريكا يخدمون آدابهم بمناهج نقدهم هم، لا بمناهج نقدنا العربى، لو استخدموا مناهج نقدنا فى شعرهم لأفسدوه، وهذا ما تفعله أنت حين تحاول تطبيق مناهجهم على قصيدنا.
هؤلاء يشعرون بالغرابة الشديدة من حملتنا هذى على أصحاب(الشحر العر)، يقولون لى: إنك تبدأ من منطلقات غريبة، ليس هكذا يكون النقد، وأنا أرثى لهؤلاء، طبعا، لابد أن تكون منطلقاتنا النقدية فى القصيد العربى(مختلفة)عن(مناهج الحداثة النقدية)؛ إن منطلقات(رولان بارت الناقد الفرنسى البنوى الوجودى الماركسى)، وإن منطلقات(إليوت)النقدية لابد أن تكون(مختلفة)عن منطلقات نقدنا، وأن تكون منطلقاتنا نحن أيضا مختلفة عنهم.
منطلقاتنا النقدية هى منطلقات ابن قدامة، وابن رشيق، وابن طباطبا، والآمدى، والجرجانى … تلك المنطلقات الناشئة فى بيئة قصيدنا لخدمة قصيدنا، لو طبقنا منطلقاتنا النقدية العربية على(نتاج شكسبير)لجاء الحكم النقدى بفشل شكسبير، وبفشل دانتى، وبفشل …، وكذلك حين يرى نقادنا نتاج نازك، وحجازى، والسياب، والبياتى … يصدرون حكمهم النقدى الحاد الذى نطق به عملاق الأدب العربى العقاد يوما:
(يحال إلى لجنة النثر لعدم الاختصاص)
لقد كان الوليد ابن المغيرة، وسفيان بن حرب، والعاص بن وائل يحكمون على محمد بن عبد الله(اللهم صل لى عليه، وسلم لى عليه)بالتخطئة من خلال اختلاف(المنطلقات)؛ هم ينطلقون من(مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا)، وهو ينطلق من(الوحى الإلهى)، يسألونه على الملأ بقصد إحراجه:
(ما تقول فى مناة، وهبل، واللات، والعزى ؟)
أحفاد أولئك يسألوننا صباح مساء:
(ما تقول فى حجازى، ونازك، وعبد الصبور؟ )
الجواب من دون أدنى تحرج هناك كان:
(إنهم ليسوا آلهة)
والجواب هنا:
(إنهم ليسوا شعراء).
وبمنتهى الوضوح فى الحالين.
هدف جامعات بلادنا التى هيأت لك فرصة الدراسة فى جامعات أوروبا وأمريكا لم يكن أبدا أن تجلب مناهجهم لنطبقها على قصيدنا، هذا لا يقبله عقل، إنما الهدف اطلاعك على تلك المناهج لتنتج نتيجتين؛ أولاهما الاستفادة منها فى استكمال الجوانب التى يمكنك إضافتها إلى نظريتنا النقدية العربية، والأخرى أن تكون قادرا على الرد على أولئك بمناهجهم حين يهاجمون قصيدنا ونقدنا.
أما أن تكون أنت جندى خصومنا، تنوب عنهم فى تمزيق أوصال قصيدنا، وفى بث سموم مناهجهم فى نقدنا، ثم تطلب منا أن نتبعك فى ذلك، بل تظن دراستك ونتائجك تلك هى الطريقة المثلى فى التعامل من قصيدنا فإن ذلك يعنى بالضبط انطباق قول ربنا فى سورة الكهف:
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
جنود بريطانيا فى احتلال بلادنا كان عددهم ثلاثة ألاف جندى، هلك نصفهم فى الطريق، وفى قتال جنودنا، أما اعتماد بريطانيا فى بقائها تحتل بلادنا بضعة وسبعين عاما فقد اعتمدت فيه على تجنيد خمسين ألفا من أبناء شعبنا، هم الذين كانوا ينكلون بآبائنا(بالكرباج)، وبالرصاص فى مقابل الراتب؛ ليحفظوا حياة المحتل، ويطول بقاؤه جاثما على صدر بلادنا، فهل ترضى لنفسك أن تكون كذلك ؟
أنت حينئذ أحد جناحين فى مهاجمة القصيدة العربية، أنت جناح التنظير النقدى، وأما جناح التطبيق إبداعا فى هدم القصيدة العربية فهو الذى ينهض به(بتوع الشحر العر).

عن محمد الجداوي

شاهد أيضاً

بالصور.. “عم ظاظا” يحول منزله إلى دار ضيافه بالمجان لمرضى 57357

كتبت-سارة سليمان عدسة-محمدالدين أحمد  “يوجد سكن واستراحة يومية مجانًا وبدون أي تبرعات لأطفال مستشفى 57357″، …

أضف تعليقاً