الرئيسية / أخبار ثقافية / المغازي: للقصيدة العربية نظام لا يصح المساس به

المغازي: للقصيدة العربية نظام لا يصح المساس به

أشعل الدكتور حسن مغازي، أستاذ الأدب بكلية الآداب جامعة وعضو مجمع اللغة العربية، معركة كادت أن تنطفيء بانتصار الشعراء والنقاد المؤيدين للحداثة وما بعدها، وهذه سلسلة من مقالاته عما أسماه بـ”الشحر العر”، متسائلا: “بيجيبوهم من فين؟!

ما أروع قول ربنا فى(38)، و(39)من سورة الأعراف:
(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ(39)
للقصيدة نظام فى(أنغام الشعر العربى)، هو عصبها الحى الذى لا يصح أى(مساس)به؛ فمن أوتى موهبة فيه فسبيله سلس إلى القريض، ومن حرم منه فلا سبيل له على الإطلاق أن يكون(شاعرا)، هل تصح لك الحياة إذا عبثنا فى عصب حياتك ؟
ذلك العصب، أعنى ذلك(النظام)يسرى فى أوصال القصيدة العربية منذ نشأتها قبل سبعة عشر قرنا من الزمان، وما زال يسرى فى أوصالها، وسيظل يسرى، ومن دونه يموت القصيد، وينتهى الشعراء، ذلك(العصب)استنبطه بعد منتصف القرن الثانى الهجرى(الخليل بن أحمد)من تحليله قصيد الشعراء قبله، سمى جزءا منه(علم العروض)، وسمى الجزء الآخر(علم القافية)، ينحصر جهد الخليل فى(التحليل)، ثم(الاستنباط)من قصيد العرب، إنما هو موجود فى ذلك القصيد منذ نشأته.
كان من دوافع الخليل إلى بذل ذلك الجهد الرائع سلوكا ونتائج أنه رأى ـ فى عصره ـ عددا من(الأدعياء)، (الضعفاء)، (الجهلاء)، وربما(العملاء) ـ يزعم كل منهم أنه(شاعر)رغم أن(نتاجه)كان(يخرج)على ذلك النظام، فأراد الخليل أن(يحدد)علامات الطريق، فاستنبط من(القصيد)ذلك(النظام)، وقد(دان)له كل من سمعه، حتى كبار علماء عصره، وما موقفه مع الأصمعى ببعيد؛ إذ شكا الأصمعى، (هو من هو)للخليل عدم قدرته على ضبط(النغم)، فطلب منه الخليل تحليل قول عمرو بن معدى كرب(على نغم الوافر):
إذا لم تستطع أمرا فدعه \ وجاوزه إلى ما تستطيع
فانصرف الأصمعى عن(القرض)إلى(النقد)من دون أن(يقاوح)؛ لأنه كان(عالما)، ولأنه لم يكن أبدا(عميلا)ضد مسيرة القصيدة العربية.
من مكونات ذلك(العصب)أن للقصيدة(رويا)، هو جزء من(القافية)فى كل بيت، ولابد من التزام ذلك(الروى)موحدا فى جميع أبيات القصيدة، التزام صوته من دون أدنى تغيير، وإلا فلدينا عيب عده القافويون، والتزام حركته، وإلا فلدينا عيب عده القافويون، والتزام نظام بضعة أصوات حوله فى القافيه، وإلا فلدينا عيب عده القافويون، والتزام حركة كل صوت من تلك الأصوات، وإلا فلدينا عيب عده القافويون.
أدنى(خروج)على ذلك(العصب)خروج من(محراب الشعر والشعراء)، لذلك كان شعراء العربية(يأنفون)من قرض(الموشح)، حتى فى بيئته(الأندلس)؛ ليس لدينا قرض عليه لابن زيدون مثلا، ولا ابن عباد، ولا حفصة الركونية، ولا ولادة بنت المستكفى، …، لقد كانوا يرونه نصا(شغت القول ورجيعه).
ينطبق ذلك من(باب الأولى)على ما سمى(المقطوعات)؛ لكل مجموعة أبيات روى مختلف عن المجموعة الأخرى فى(قصيدة)واحدة، أيضا كان كبار شعرائنا يأنفون من القرض عليه، رغم ضغوط الدعاية إليه.
ثم فى خمسينات القرن الماضى، وما بعدها دقت من جديد طبول الحرب ضد القصيدة العربية فى ثلاث موجات، اصطدمت بلآلئ القصيد، يصرح(أكابر موجهيها)بأنه:
(لابد من هدم نظام الشعر العربى)
(لابد من التخلص من العروض والقوافى)
موجة اسمها(التفعيلة)، وموجة اسمها(الحر)، وموجة اسمها(النثرية)، ولكل موجة رواد، وقواد، جميعهم يحركهم(يدرون، أو لا يدرون)خيط من خارج حدود أدبنا، والهدف إنهاء القصيدة العربية.
(التفعيلة)أن تصوغ(نتاجك)على(واحدة)من(أنغام الشعر العربى)، ولتكن نغمة(الكامل)مثلا، لكن من دون التزام بقافية، ومن دون التزام بعدد(النغمات)؛ فى سطر لديك نغمتان، وفى الذى يليه لديك أى عدد آخر، والحجة أنك لا تقول حسب مقتضى(النظام)، وإنما حسب ما سموه مخطئين تركيبيا(الدفقة الشعورية)، وتصحيحه لغويا(دفقة الشعور)؛ فلـ(مركب الإضافة)مواضع لا يصح فيها استخدام(مركب النعت)، ومع ذلك يصرون على أنهم(شعراء).
و(الحر)أن تصوغ(نتاجك)بالـ(خلط)بين مجموعة من(أنغام الشعر العربى)فى(عمل)واحد؛ جزء من(العمل)على نغمة(الكامل)، والجزء الثانى على نغمة(الوافر)، والجزء الثالث على نغمة(الرمل)مثلا، أو أى من(أنغام الشعر العربى)، ومع(التحرر)أيضا من التزام(القافية)نهائيا، ومع ذلك يصرون على أنهم(شعراء).
و(النثرية)أن تتخلص ـ قصدا ـ من أى التزام بأى من مكونات ذلك(العصب)؛ صغ قولك مبتعدا نهائيا عن(علم العروض)، وعن(علم القافية)، ومع ذلك يصرون على أنهم(شعراء)، وأن ما(يقيئونه)هو(القصيدة).
والغريب أن أهل(التفعيلة)يرفضون أهل(الحر)، وأن أهل(الحر)يرفضون أهل(النثرية)، وأن(التفعيليين)، و(الحريين)، و(النثريين)ينكرون علينا التنبيه بانطباق قول ربنا الذى صدرنا به مقالتنا هذى(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
جراحات كثيرة، يدفع فيها الشخص أمواله للجَرّاح؛ ليبتر له يده، أو ساقه؛ كى(يعيش)بعد الجراحة صحيح البنية من دون تأثير على عمره، لكن نظير ذلك فى(الكلى)مثلا، أو(المرارة)، أو(العيون)لابد له من تأثير قوى على الصحة العامة، بما يؤثر فى العمر، وأما نظير ذلك فى(القلب)، أو(المخ)، أو(الرئة)فإن نتائجه ـ حتما ـ تنهى حياة(الجريح)فى أقرب فترة ممكنة، وأما(جراحة الأعصاب)فمهلكة فورية.
(أنغام الشعر العربى)سواء فى(علم العروض)، أم فى(علم القافية)هى(العصب)الحساس فى حياة القصيد العربى، لا يصح بحال السماح لأى من(العابثين)الوصول إليه، قل(تفعيلة)، كما تشاء، قل(حرا)، كما تشاء، قل(نثرية)، كما تشاء، ربما نصفق لك، ونحييك، لكن الجريمة الكبرى أن تقحم نفسك فى(موكب الشعراء).
إذا أردت الانضمام إلى(موكب الشعراء)فإن عليك حتما ـ مهما كان عمرك، ومهما شاب شعرك، ومهما اصلع رأسك، ومهما لمع اسمك، ومهما علا منصبك، ومهما اغتصبت من منصات ـ أن تعود تلميذا صغيرا فى المقاعد الخلفية من مقاعد الدرس؛ حتى(تتعلم)كيف تكون(شاعرا).
(التجديد)فى القصيدة العربية حتم طبعا، إنما يستحيل أن يكون فى(أعصابها)؛ الوزن، والقافية، ولا فى(عظامها)؛ اللغة تركيبيا، إنما يكون فى:
(الصورة، الإحساس، الرمز، التكثيف، الفكرة، ألفاظ اللغة)
أصحاب موجة(التفعيلة، الحر)كسبوا(جولة)من(المعركة)بعد ظهورهم؛ بأن اعترفت بهم مؤسسات رسمية رغم سوءاتهم الظاهرة، ورغم شناعة الحرب ضدهم، وما جهد عملاق الأدب العربى تجاههم ببعيد، ومن دهشتهم ظنوا أنفسهم قد كسبوا كل شىء، وأنه لا دفاع ضدهم بعد تلك(الجولة)، لذلك يستنكرون علينا جهدنا هنا الآن، يصرحون لنا بأنه:
لقد انتهت هذى الحرب يا دكتور؛ لماذا تصر على إيقاظها ؟
لا يعلمون أن للقصيدة العربية فرسانها فى كل زمان، يأبون إلا أن يكونوا(المجَلّين، والسوابق)، لله در بشامة أبى مخزوم النهشلى الدارمى(على نغم البسيط):
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة \ تلق السوابق منا والمصلينا
وليسَ يَهلكُ منّا سيدٌ أبدا \ إلاّ افْتَلَينا غُلاما سيّدا فينا
إنا لنُرخص يوم الروع أنفسنا \ ولو نسام بها فى الأمن أٌغلينا
بيضٌ مفارقُنا تغلى مراجلُنا \ نأسو بأموالنا آثارَ أيدينا
لو كان فى الأَلْفِ مِنَّا وَاحِدٌ فَدَعَوْا \ مَنْ(دِرْعِمٌ)؟ خَالَهُمْ إِيَّاهُ يَعْنُونا
إنى لمن(دِرْعِمٍ)أَفنى أَوائلهم \ قول الكماة: ألا أين المحامونا
= = = =
حاشية
لمن لا يعلمون، ويودون أن يتعلموا ـ تحدد لغتنا درجات لترتيب الفرسان، على البيان الآتى:
(اِلْمُجَلِّى)، وَهُوَ الْأَوَّلُ، درجته مِائَةٌ، وَ(اِلْمُصَلِّى)، وَهُوَ الثَّانِى، درجته تِسْعُونَ، و(اِلتَّالِى)، وَهُوَ الثَّالِثُ، درجته ثَمَانُونَ، وَ(اِلنَّازِع)، وَهُوَ الرَّابِعُ، درجته سَبْعُونَ، وَ(اِلْمُرْتَاحِ)، وَهُوَ الْخَامِس، درجته سِتُّونَ، وَ(اِلْحَظِّيّ)، وَهُوَ السَّادِسُ، درجته خَمْسُونَ، وَ(اِلْعَاطِف)، وَهُوَ السَّابِعُ، درجته أَرْبَعُونَ، وَ(اِلْمُؤَمِّل)، وَهُوَ الثَّامِنُ، درجته ثَلَاثُونَ، وَ(الِلَّطِيمِ)، وَهُوَ التَّاسِعُ، درجته عِشْرُونَ، وَ(اِلسِّكِّيتِ)، وَهُوَ الْعَاشِرُ، درجته عَشَرَةٌ ، وَ(اِلْفَسْكَلِ)، وَهُوَ الْآخِرُ، درجته خَمْسَةٌ.

عن محمد الجداوي

شاهد أيضاً

بالصور.. “عم ظاظا” يحول منزله إلى دار ضيافه بالمجان لمرضى 57357

كتبت-سارة سليمان عدسة-محمدالدين أحمد  “يوجد سكن واستراحة يومية مجانًا وبدون أي تبرعات لأطفال مستشفى 57357″، …

أضف تعليقاً