الرئيسية / أخبار ثقافية / المغازي: الشعر الحر بذاءة وانحطاط وتسيب وانعدام رباية

المغازي: الشعر الحر بذاءة وانحطاط وتسيب وانعدام رباية

أشعل الدكتور حسن مغازي، أستاذ الأدب بكلية الآداب جامعة وعضو مجمع اللغة العربية، معركة كادت أن تنطفيء بانتصار الشعراء والنقاد المؤيدين للحداثة وما بعدها، وهذه سلسلة من مقالاته عما أسماه بـ”الشحر العر”، متسائلا: “بيجيبوهم من فين؟!

ستة المكونات فى(كلام الأدباء)التى تميزه عن(كلام الدهماء)منحصرة فى
(صحة اللغة، استحقاق الفكرة، خصوبة الصورة، دقة الإحساس، عمق الرمز، مدى التكثيف)
لابد منها مجتمعة فى كل عمل أدبى؛ أيا كان جنسه، مسرحا، أم رواية، أم مثلا، أم حكمة، أم خطبة، أم قصيدا، وتتفاوت درجة الأديب هبوطا أو سموا حسب درجة كل مكون منها فى إبداعه.
ثم ينفرد كل جنس أدبى بخصيصته التى بها ينماز عن سائر أجناس الأدب؛ فللرواية السرد، وللمسرح الحوار، وللخطبة الجهارة، وللحكمة الاختزال، وللمثل التجربة، وللقصيد(النغم).
ولكل خصيصة علم، يختص بها، ينهض بـ(صناعتها)؛ فلدينا(علم الحوار)فى المعهد العالى للفنون المسرحية، ولدينا(علم السرد)فى المعهد العالى للسينيما، ولدينا(علم طبقات الصوت)؛ أى(مدى الجهارة)فى المعهد العالى للموسيقا العربية، ولدينا(علم العروض)؛ أى(علم أنغام الشعر العربى)فى أقسام اللغة العربية، وبدهى أنه لا يصح بحال السماح بأدنى درجة من درجات(العبث)فى تلك(الخصيصة)لأى من تلك الفنون؛ فمن استطاعها فهو من أهلها، وإلا فلا.
وبدهى أن كل فن شأنه شأن كل شىء فى حياتنا لابد فيه من سريان سنة التجديد والتطوير والتحديث كل يوم صباح مساء؛ ليس معقولا أبدا جمود الفن على حال واحدة فى كل العصور، بل إن الفن هو الأسرع إلى التطور بطبيعته، وإن لم يشأ أهله.
إنما للتجديد موضعه فى كل شىء؛ لا يصح فى تجديدك بيتك أن تزيل أعمدته التى تنهض بسقفه، إنما تجدده بتغيير طلائه مرة، بتغيير فراشه مرة، بتعديل نوافذه مرة، بتحديث أرضيته مرة، بإضافة عروس جديدة مرة، …
لا يصح التجديد فى(العظام)، ولا فى(الأعصاب)؛ لأن أدنى(عبث)فى هاتين الناحيتين نتيجته الهلاك، إنما يصح التجديد فى غير هاتين الناحيتين.
التركيب اللغوى ـ كما رصده النحويون ـ هو الهيكل العظمى للقصيدة، و(أنغام الشعر العربى) ـ كما استنبطها الخليل بن أحمد ـ بعد منتصف القرن الثانى الهجرى هى(أعصاب القصيدة).
التجديد فى القصيدة العربية مطلوب فى ستة المكونات، مطلوب فى(ألفاظ اللغة)، وفى(نوعية الفكرة)، وفى(خصوبة الصورة)، وفى(دقة الإحساس)، وفى(عمق الرمز)، وفى(مدى التكثيف).
لكن الذى(يجرم)به(أرباب الحداثة)ضد القصيدة العربية أنهم لم يجددوا على الإطلاق فى أى من هذى المكونات المحتاجة حتما إلى تجديد، بل أساءوا كثيرا إلى كل مكون منها، لقد أفسدوها، وجعلوا أغرة أخيلتها ركيكة، واتجهوا إلى(التغيير)فى ما لا يصح(العبث)به؛ لأنه(أعصاب)القصيدة، وهو(أنغام الشعر العربى).
السبب الوحيد الذى يمكن به تفسير تلك المفارقة هو أن(أنغام الشعر العربى)تمثل عقبة كأداء فى طريق كل منهم، صعبة على كل منهم(حسب قدراته عقليا، ونفسيا)، لا يستطيعون القرض من خلالها، فبدلا من تعديل(الموزون)، وهو قدراتهم، اتجهوا إلى تغيير(الميزان)، وهو(النغم)، لقد صار الآن كل عاطل جاهل(شاعرا)، وصارت كل واحدة(خرج بيت)حقيقة أو حكما ـ (شاعرة)من دون بذل أدنى درجة من درجات الجهد فى تعلم أى شىء، تجد ذلك(الكائن)شبحا يغتصب منصة الشعر بكل تبجح مقيت متقيئا هراء على أنه(شعر).
هذا يعنى أن الذى(أحدثوه)فى خمسينات القرن الماضى بتوابعه حتى يوم الناس هذا لم يكن(تجديدا)على الإطلاق، إنما هو أحد صنفين؛ فهو عند(الطيبين)منهم كان(تسهيلا)، ولو ضحينا بالجنين، وبالأم، وبالمستشفى من أجل الشهرة الإعلامية، وهذا يعنى أن هؤلاء الطيبين حمقى، وهو عند(الباقين)هدم البنية، هو(تحطيم الأسس)، وهؤلاء يعلنون هذا صراحة بأنه هدفهم الكبير الذى يسعون إليه، بأنه لابد من(التخلص من عمود الشعر)، لابد من(التخلص من العروض)، لابد من(التخلص من القوافى)، وهؤلاء هم(الطابور الخامس)فى بلادنا، يخدمون أعداءنا بـ(هدم الثوابت)فى مجتمعنا.
وفى الصنفين لا يصح بأية حال أن نترك لهم الميدان يعيثون فيه، ما زلت أصرخ، وأتسمع دوى صرختى فى هذا الوادى؛ لماذا نترك هؤلاء بصنفيهم(يغتصبون منصات الشعر)إبداعا ونقدا ؟ نعم هو بالضبط حسب عبارة أكابر مجرميهم(الشعر الحديث)، لكن على أن تكون(الحديث)هى الصيغة(فعيل)من(الحدَث)الذى ينبغى التطهر منه.
نعترف طبعا بمنتهى الصراحة لأرباب الحداثة بأنهم نجحوا نجاحا باهرا فى تحقيق هدفهم المعلن بأنهم يسعون سعيا حثيثا إلى(تحطيم عمود الشعر)، (تحطيم عروض الشعر)، (تحطيم قوافى الشعر)، وعليهم فى مقابل اعترافنا هذا بأن يعترفوا بأنهم ينفذون أهداف(الحداثة)فى(تحطيم الثوابت فى المجتمعات)، شاءوا، أم أبوا ، يدرون، أو لا يدرون .
هم ينفذون بدقة النقطتين؛ الثامنة، والتاسعة من عشر النقاط التى يحتويها برنامج رأس(الإرهاب)فى العالم المعاصر؛ ذلك اليهودى الصهيونى المتعصب(ناعوم تشومسكى)؛ ذلك البرنامج الذى أقره الكونجريس الأمريكى فى(هدم الأمم)، و(رض عظام الإمبراطوريات)فى ثمانينات القرن الماضى، ومن خلاله هدموا إمبراطورية الاتحاد السوفيتى.
تلك النقطة الثامنة فى ذلك البرنامج هى(استحسان الرداءة)، نعم إنه لمن الرداءة فكرا وسلوكا أن تقصد قصدا إلى هدم(النغم)، إلى تحطيم(أنغام الشعر العربى)؛ لتحل محلها(العدم)، لا يغرنكم إبقاء(التفعيلة)عند بعض نتاج هؤلاء، فالمساس بـ(الأعصاب)يقضى عليها نهائيا، بل إن(استحسان الرداءة)فى الشعر لا يقل عن(استحسان الرداءة)فى(موضة)ارتداء البنطلون الممزق فى أيامنا الحلوة، والبنطلون الساقط، والبنطلون(المشخوخ)عليه، (هذا الوصف الأخير من مأثوراتنا عن سمو الهانم د. زينب أبو سنه)، صبحها الله بكل خير، ما أروعها.
وتلك النقطة التاسعة أن تضع(الذيل)فى موضع(الرأس)فى جميع مفاصل المجتمع، وهذا هو الذى يفعله(بتوع الشحر العر)فى القصيدة العربية، فبعد أن كان رأس القصيدة العربية إبداعا ونقدا عميد الأدب العربى، وعملاق الأدب العربى، وأمير الشعراء، صار تلامذة هؤلاء الآن(ذيولا)، وصار الرءوس(أنصاف المتعلمين)من حملة(دبلوم المعلمين)؛ من أمثال نازك، وحجازى، والبياتى، و …، أو من اجتازوا الدرجة الجامعية الدنيا بتخلف فى الأدب العربى، من أمثال عبد الصبور، والسياب…
جددوا فى مواضع قبول التجديد، نحتاج هذا منكم يا أيها(الرءوس)إن استطعتم أن تنفذوا إلى أقطار التجديد فانفذوا، لا تنفذون إلا بـ(أنغام).
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(عبد الوهاب البياتى):
الله فى مدينتى يبيعه اليهود
الله فى مدينتى مشرد طريد
أراده الغزاة أن يكون
لهم أجيرا شاعرا قواد
يخدع فى قيثارة المذهب العباد
لكنه أصيب بالجنون
لأنه أراد أن يصون زنابق الحقول
من جرادهم أراد أن يكون
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(أدونيس):
كاهنة الأجيال قولى لنا
شيئا عن الله الذى يولد
قولى أفى عينيه ما يعبد؟
وأن يقول:
لا الله اختار .. ولا الشيطان .. كلاهما جدار
كلاهما يغلق لى عينى .. هل أبدل الجدار بالجدار
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(السياب):
إله آبائى وإله محمد
تراءى لى فى جبال الريف يحمل راية الثوار
وفى يافا رآه القوم يبكى فى بقايا دار
وأبصرناه يهبط أرضنا يوما من السحب
جريحا كان فى أحيائنا يمشى ويستجيب
فلم نضمد له جرحا
وكان محمد نقشا على آجرّة خضراء
يزهو فى أعاليها
فأمشي تأكل الغبراء
و النيران من معناه
و يركله الغزاة بلا حذاء
بلا قدم
و تنزف منه دون دم
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(محمود درويش):
نامى فعين الله نائمة عنا .. وأسراب الشحارير
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(نزار قبانى):
انا أرفض الإحسان من يد خالقى
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن تقول(فدوى طوقان):
وانت يا من قيل عنه إنه هناك
حانى لطيف بالعباد
أين انت لا أراك
دعنى أراك كى أقول إنه هناك
ليس تجديدا على الإطلاق فى القصيدة العربية، بل هو من المسخ أن يقول(عبد العزيز المقالح اليمانى):
صار الله رمادا .. صمتا .. رعبا فى كف الجلادين
حقلا ينبت سبحات وعمائم
هذا يا سادة إن كنتم تعقلون ليس اسمه(تجديدا)، هذا اسمه(البذاءة)، اسمه(الانحطاط)، اسمه(التسيب)، اسمه(انعدام الأخلاق)، اسمه(الإلحاد)، اسمه(انعدام الرباية فى البيوت).

عن محمد الجداوي

شاهد أيضاً

هاني شاكر يشعل مكتبة الاسكندرية بأغانية

كتب : معاذ عمرو  تصوير :احمد حيدر احيا أمس امير الغناء العربي الفنان الكبير “هاني …

اترك تعليقاً