الرئيسية / أخبار ثقافية / المغازي: أهل الشعر الحر يحاربون وحدة القصيدة العربية ويدعون الشعرية

المغازي: أهل الشعر الحر يحاربون وحدة القصيدة العربية ويدعون الشعرية

أشعل الدكتور حسن مغازي، أستاذ الأدب بكلية الآداب جامعة وعضو مجمع اللغة العربية، معركة كادت أن تنطفيء بانتصار الشعراء والنقاد المؤيدين للحداثة وما بعدها، وهذه سلسلة من مقالاته عما أسماه بـ”الشحر العر”، متسائلا: “بيجيبوهم من فين؟!

(البيت)هو وحدة(القصيدة)العربية، هو أكبر مكوناتها، وهو(أعز)ما نتفاخر به على(الآداب العالمية)، وهو(خصيصتها)التى تعد موضع(التكريم)فى القصيدة؛ وهو إحدى علامات(متانة التكوين)، لا تنهدم القصيدة مهما غيرت فى موضع أى من أبياتها تقديما أوتأخيرا؛ فنحن أمام(قصيدة)، لا أمام(رواية)، نعم فى شعر(غير العرب)تفتقد ذلك؛ لأن شعرهم أحد صنفين من ثلاثة الأصناف العالمية فى الشعر؛ شعرهم(ملحمى)، أو(قصصى)، فى كل منهما طبعا لا يصح على الإطلاق كون(البيت وحدة القصيدة)؛ لأنك أمام(تسلسل أحداث).
لكن(ديوان العرب)ليس أيا من هذين الصنفين، إنما هو صنف ثالث، اسمه(الشعر الغنائى)، ليس القصد طبعا(القصائد المغناة)، إنما القصد أنه(شعر ذاتى)، يغنى فيه(الشاعر)إحساسه الذاتى ماثلا فى شخصه، أو قبيلته، أو مجتمعه كله، على(أنغام الشعر العربى)، وتتناسب(طرديا)درجة جودته مع درجة(الفهم الموضوعى)لما يقوله؛ بحيث يحس كل متلق كأن(الشاعر)يتحدث عنه، لا عن نفسه.
فى هذا الصنف؛ (الشعر الغنائى)لا نحتاج على الإطلاق إلى(سرد أحداث)، بعضها مترتب على بعض، لذلك جاءت أبيات الشاعر العربى فى قصيدته على ذلك الشكل الذى يمكنك فيه تبديل موضع كل بيت تقديما أو تأخيرا من دون أدنى مساس بتكوين القصيدة، بيت فى رمش الحبيبة، وبيت فى شعرها، وبيت فى ساقها، تقدم أنت كل عضو حسب مزاجك النفسى، أو تؤخره، ولا تنهدم القصيدة؛ تلك علامة قوة فى بنائها، علامة تميز.
دالية المتنبى من مطولاته، بسهولة تستغنى عن نصفها أو أكثر، وبسهولة تقدم بيتا أو تؤخره، ويبقى التكوين العام للقصيدة متماسكا قويا، لا يتأثر، جرب معنا هذا فى هذا الجزء منها(على نغم الطويل):
= = = = = =
عَوَاذِلُ ذاتِ الخَالِ فيّ حَوَاسِدُ \ وَإنّ ضَجيعَ الخَوْدِ منّي لمَاجِدُ
يَرُدّ يَدًا عَنْ ثَوْبِهَا وَهْوَ قَادِرٌ \ وَيَعصي الهَوَى في طَيفِها وَهوَ راقِدُ
متى يَشتفي من لاعجِ الشّوْقِ في الحشا \ مُحِبٌّ لها في قُرْبِه مُتَبَاعِدُ ؟
إذا كنتَ تخشَى العارَ في كلّ خَلْوَةٍ \ فَلِمْ تَتَصَبّاكَ الحِسانُ الخَرائِدُ
ألَحّ عَليّ السّقْمُ حتى ألِفْتُهُ \ وَمَلّ طَبيبي جانِبى وَالعَوائِدُ
مَرَرْتُ على دارِ الحَبيبِ فحَمْحمتْ \ جيادى وهل تُشجي الجيادَ المعاهدُ
وما تُنكِرُ الدّهْمَاءُ مِن رَسْمِ منزِلٍ \ سَقَتها ضَريبَ الشَّوْلِ فيهِ الوَلائِدُ
أهُمّ بشَيْءٍ واللّيَالي كأنّهَا \ تُطارِدُني عَنْ كَوْنِهِ وَأُطارِدُ
وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ \ إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ
وَتُسْعِدُني في غَمرَةٍ بَعدَ غَمْرَةٍ \ سَبُوحٌ لهَا مِنهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ
تَثَنّى عَلى قَدْرِ الطّعانِ كَأنّمَا \ مَفَاصِلُهَا تَحْتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ
وَأُورِدُ نَفْسِي والمُهَنّدُ في يَدي \ مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجالِدُ
وَلَكِنْ إذا لمْ يَحْمِلِ القَلْبُ كفَّهُ \ على حَالَةٍ لم يَحْمِلِ الكَفَّ ساعِدُ
خَليلَيّ إنّي لا أرَى غيرَ شاعِرٍ \ فَلِمْ منهُمُ الدّعوَى ومني القَصائِدُ ؟
وَلمّا رَأيتُ النّاسَ دونَ مَحَلِّهِ \ تَيَقّنْتُ أنّ الدّهْرَ للنّاسِ نَاقِدُ
أحَقُّهُمُ بالسّيْفِ مَن ضَرَبَ الطُّلى \ وَبالأمْنِ مَن هانَتْ عليهِ الشّدائدُ
وَأشقَى بلادِ الله ما الرّومُ أهلُها \ بهذا وما فيها لمَجدِكَ جَاحِدُ
فَتًى يَشْتَهي طُولَ البلادِ وَوَقْتُهُ \ تَضِيقُ بِهِ أوْقاتُهُ وَالمَقَاصِدُ
أخُو غَزَواتٍ مَا تُغِبُّ سُيُوفُهُ \ رِقابَهُمُ إلاّ وَسَيْحانُ جَامِدُ
فلَم يَبقَ إلاّ مَنْ حَمَاهَا من الظُّبى \ لمَى شَفَتَيْها وَالثُّدِيُّ النّوَاهِدُ
أُحِبّكَ يا شَمسَ الزّمانِ وبَدْرَهُ \ وَإنْ لامَني فيكَ السُّهَى والفَراقِدُ
= = = =
على هذا فإن أكبر(خدعة)تعرض لها(الشعر العربى)فى القرن الأخير، واعتمد على ترويجها بخبث شديد(بتوع الشحر العر)هى ذمهم القصيدة العربية بأن(وحدة البيت)فيها واضحة للعيان، ذلك ادعاء باطل، باطل، باطل، ترويجه ضد قصيدتنا ناشئ عن أحد طريقين؛ أولهما الجهل بثلاثة الأصناف فى الشعر العالمى والفروق بين كل صنف وشقيقيه، والآخر الخبث الشديد فى التجهيل بتلك الفروق رغم العلم بها.
أكبر(ميزات الشعر الغنائى)، وأعز(ميزات القصيدة العربية)أنها تنهض على كون البيت هو وحدة القصيدة، وأنك تستطيع تقديم أى بيت منها، أو تأخيره من دون هدم البناء الشعرى.
ذلك التقديم، وذلك التأخير يحدث إما رغما عنا تحت ضغوط(رواة الشعر)قديما، وإما برغبتنا نحن؛ بحيث تضع نفسك فى موضع الشاعر حسب تجربتك الذاتية؛ فتقدم البيت العشرين قبل البيت العاشر؛ لأنه يعبر عن تجربتك الذاتية، وبقاء القصيدة رغم تغيير الرتبة علامة جودة كبرى، لا نظير لها فى الآداب العالمية، ثم يضربون شعرنا العربى من حيث ينبغى تكريمه، إما جهلا، وذلك أحسن الطريقين، وإما الطريق الآخر، وهو أسوأهما، وهو أن(بتوع الشحر العر)؛ (أقصد الرؤوس طبعا دوما فى كلامى، ولا علاقة على الإطلاق مع من بعدهم)يعلمون، ويتخابثون بضرب القصيدة العربية من حيث ينبغى التكريم.
لعله من الأدلة العلمية المادية على ذلك أن علماء(القافية)عدوا(التضمين)عيبا كبيرا من(عيوب القافية)فى القصيدة العربية، وهو ـ لمن لا يعرف ـ أن ينتهى البيت، وتظل تركيبيا، ودلاليا تحتاج إلى البيت الذى يليه، وبحيث لا يمكنك تقديم اللاحق قبل السابق؛ تلك(العلاقة العضوية)بين أبيات القصيدة معدودة من(عيوب القصيدة)لدى علماء القافية؛ حيث ينبغى فى شعرنا انتهاء(المعنى)بانتهاء(نغم البيت)، وهكذا فى كل بيت؛ بحيث يتسنى لكل متلق أن يقدم أى بيت، أو يؤخره، من دون انهدام القصيدة، تلك ميزة القصيدة العربية، لقد عاب نقادنا من هذا المنطلق قول نونية ابن زيدون(على نغم البسيط):
من مبلغ المبسلينا بانتزاحهمو \ حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذى مـــا زال يضحكنا \ أنســـــا بقربهمو قد عاد يبكينـا
وعابوا فى هذا الشأن أيضا قول حاتم(على نغم الطويل):
أماوى إن يصبح صــــــداى بقفرة \ من الأرض لا ماء لدى ولاخمر
ترى أن مــــا أنفقت لم يك ضرنى \ وأن يــــــدى مما بخـلت به صفر
لا يصح فى(ديوان العرب)أن ينتهى البيت من دون انتهاء التركيب والدلالة، لأن فخر القصيدة العربية كون البيت وحدة القصيدة، ذلك هو شأن(الشعر الغنائى)كله.

عن محمد الجداوي

شاهد أيضاً

افتتاح ملعب مركز شباب مرصفا الجديد الجمعة المقبله في حضور نخبة من نجوم الرياضة

يستعد مركز شباب مرصفا لاحتضان احتفالية كبري بمناسبة افتتاح الملعب الكبير بالمركز ‘ في حضور …

أضف تعليقاً